ҹ糡

غالبًا ما تبقى إسهامات المرأة في الحياة المجتمعية، من خلال عملها الدؤوب في التعليم والتنظيم وبناء المؤسسات، راسخةً في الذاكرة العائلية أكثر من السجلات التاريخية الرسمية. وإدراكًا لهذه الفجوة، يركز مشروع التاريخ الشفهي التابع لمعهد الدراسات الإسماعيلية بشكل استراتيجي على المرأة، ساعيًا بوعي إلى توثيق أصواتها وتجاربها وقيادتها في مختلف المجتمعات الإسماعيلية حول العالم. ومن خلال تسجيل قصص حياة ظلت تاريخيًا مهمشة في المحفوظات المكتوبة، يعمل المشروع على ضمان الحفاظ على أدوار المرأة في تشكيل الحياة الدينية والاجتماعية والتعليمية للأجيال القادمة. ومن بين هذه القصص، قصة الوزيرة صاحبة الحاجّة غلام فاطمة من غوجرانوالا، باكستان، وهي مربية ساهمت جهودها في توسيع نطاق التعليم للفتيات في أوائل القرن العشرين في البنجاب، ولا يزال إرثها حاضرًا حتى يومنا هذا.

سيرةٌ محفوظة: ذكريات الدكتور عزيزالدين شيخ

في كانون الأول 2024، أجرى مشروع التاريخ الشفهي التابع لمعهد الدراسات الإسماعيلية في مركزالآغا خانبلندن مقابلةً مع الدكتور عزيزالدين شيخ، الأكاديمي والمربي المرموق. وفي معرض استعادته لذكرياته، تحدّث عزيزالدين مطولًا عن المرأة التي كان هو وكثيرون من أفراد أسرته يطلقون عليها "العمّة": الوزيرة صاحبة غلام فاطمة. وتُظهر ذكرياته كيف تحوّل الوضوح الأخلاقي والمثابرة لدى امرأة واحدة إلى مؤسسة تعليمية راسخة ومستدامة. وبعد أن فقد والدته بعد وقت قصير من ولادته، نشأ عزيزالدين في كنف والديه بالتبنّي، اعتمادي محمد علي وعليجه بانو عناية بيجوم، في منزل كانت تقيم فيه أيضًا الوزيرة صاحبة غلام فاطمة، التي غدت في حياته بمنزلة الجدّة.

النشأة والتحوّلات المبكرة

وُلدت الوزيرة صاحبة الحاجّة غلام فاطمة في 17 تموز عام 1889 في أسرة هندوسية بمدينة أمريتسار، وكانت تُعرف في مطلع حياتها باسم سوبها ديفي، وكان لها أخوان أصغر منها. تضع الذاكرة العائلية نشأتها في سياق اجتماعي وديني اتسم بالانتماءات المتداخلة والتحولات التدريجية، التي أفضت في نهاية المطاف إلى معرفتها باسم غلام فاطمة. وتُرسّخ هذه الذاكرة نشأتها في هذا السياق المتعدد الطبقات، الذي وجد تعبيره لاحقاً في انتماء صريح إلى المجتمع المسلم الإسماعيلي، ومع مرور الوقت، في انتقال الأسرة إلى غوجرانوالا في إقليم البنجاب الحالي بباكستان. ويتذكر عزيزالدين منزلاً كان التعلم فيه لا يُفهم بوصفه مجرد تقدم شخصي، بل بوصفه مسؤولية تجاه الآخرين.

منذ أن أصبحتُ واعيًا بمحيطي وعائلتي، وجدتُ غلام فاطمة منغمسة في دراستها. وكل ما كُتب هنا روته لي غلام فاطمة نفسها وآخرون. لذا، فهو ليس من نسج الخيال.

السياق الاجتماعي والديني للبنجاب

في تلك المرحلة كما تستحضرها الذاكرة العائلية، كانت الحياة الدينية في البنجاب تتشكّل ضمن حدود دقيقة تفصل بين الممارسة الجماعية والحيّز العام الأوسع. وكانت مظاهر الإيمان غالبًا ما تبقى محصورة في الفضاءات الجماعية المعترف بها، بدلًا من الإفصاح عنها علنًا في المجال العام، وذلك انعكاسًا للأعراف الاجتماعية والظروف التاريخية السائدة آنذاك. وفي هذا السياق، برز التعليم تدريجيًا بوصفه سبيلًا أساسيًا لصون القيم الجماعية والتعبير عنها، ولا سيما بالنسبة إلى النساء، إلى جانب الأشكال المتطوّرة من التنظيم والمشاركة التي شجّع عليها الإمام الإسماعيلي الثامن والأربعون، صاحب السمو السير سلطان محمد شاه الآغا خان الثالث (1877–1957).

نقطة تحول: من مدرسة تبشيرية إلى مبادرة مجتمعية

طبعت المشقة المبكرة حياتها الخاصة. فقد تزوجت وهي طفلة، كما كان شائعاً في ذلك الوقت، غير أنها لم تغادر بيت والديهاللرّخْصَتي— وهو الانتقال المعتاد الذي تنتقل فيه العروس رسمياً إلى منزل زوجها — حتى بلغت سناً مناسبة. ويروي عزيزالدين أنها علمت في ما بعد بوفاة زوجها، فأصبحت أرملة وهي لا تزال في ريعان شبابها. ولم تتزوج ثانيةً، بل أقبلت على طلب العلم، وأتمّت ما كان يُعرف آنذاك بدرجة الأنغلو-فيرناكيولار (اللغة الإنجليزية والمحلية)، وبدأت التدريس في مدرسة تبشيرية مسيحية في غوجرانوالا.

وهنا وقع حادثٌ واحد غيَّر مجرى حياتها. يتذكر عزيزالدين أن إحدى طالباتها المسلمات اعتنقت المسيحية، وهو ما يستحضره في سياق غياب مدرسةٍ إسلامية للبنات في ذلك الوقت.

أثناء تدريسها هناك، اعتنقت فتاة مسلمة المسيحية متأثرة بالتعاليم المسيحية. في ذلك الوقت، لم تكن هناك مدرسة إسلامية للبنات في المنطقة. شعرت أن هذا الوضع غير عادل، وأنه ينبغي إنشاء مدرسة إسلامية للبنات.

مدرسة الفناء: التدريس على البُسُط

إلى جانب امرأةٍ أخرى تُدعى صالحة بيبي بدأت التدريس في أبسط البيئات وأكثرها تواضعًا: في فناء منزلٍ عائلي. وقد فرشتا بُسُطًا تقليدية (durries) على الأرض، إذ لم يكن لديهما سوى القليل من الأثاث.

قرروا أن يفتتحوا مدرسة. استخدموا المنزل الذي كان يقطنه والدنا، والذي كان يحتوي على فناء مركزي، كما هو الحال في العديد من المنازل. فُرِشت البُسُط على الأرض، ولم يكن هناك سوى كرسي واحد تقريبًا.

قام المؤسسون بجولة على المنازل في جميع أنحاء غوجرانوالا، لتشجيع العائلات على إرسال بناتهم إلى مدرستهم. لم تكن هناك رسوم ولا رواتب؛ فالأولوية كانت توفير بيئة تعليمية. وفي الوقت نفسه، كان يتم جمع التبرعات من أولياء الأمور لتوفير مستلزمات المدرسة، وفي المناسبات الخاصة؛ فعلى سبيل المثال، كان الناس يتبرعون بزكاة الفطر في عيد الفطر، وجلود الأضاحي في عيد الأضحى، والتي كانت تُباع نقدًا.

لم تكن هناك رسوم ولا رواتب. كان المكان مجرد بُسُط... لا نريد أي شيء، ولا نريد أي راتب. إنه مشروعنا الخاص، ونريد له أن ينمو ويتطور.

النمو المؤسسي والملكية الجماعية

ومع تزايد أعداد الملتحقين، انتقلت المدرسة إلى مقرٍّ مستأجر. وظهرت احتياجات جديدة، مثل الإيجار واللوازم وتعيين معلّمين إضافيين، فساهمت الأسر بما استطاعت. ومع مرور الوقت، فُرضت رسومٌ متواضعة لضمان الاستدامة مع الحفاظ على إتاحة التعليم للجميع. وجاءت نقطة تحوّل مهمّة حين تبرّع أحد رجال الأعمال، تشودري فاتح الدين، بقطعة أرض وساهم في دعم بناء فصولٍ دراسية دائمة. وما تلا ذلك لم يكن أقلّ أهمّية: إذ لم تكن الوزيرة صاحبة تريد أن ترتبط أصول المدرسة بملكيةٍ شخصية.

لن تُسجَّل هذه القطعة من الأرض باسم أيٍّ منهما. لم يكونا يريدان منها شيئًا: لا ملكية، ولا راتبًا، ولا أي شيء على الإطلاق. بالنسبة إليهما، لم يكن الأمر يومًا متعلقًا بمنفعة شخصية. لقد كانا يشعران بأن هذه مسؤولية تقع على عاتقهما، وكل ما أراداه هو أن يريَاها تنمو.

وعوضًا عن تسجيل الأرض باسميهما، عمد المؤسسون إلى تسجيلها باسم منظمة نسائية كانوا قد أنشؤوها: جمعية النساء المسلمات. وأصبحت المدرسة تُعرف باسم مدرسة تشودري فاتح الدين الإسلامية الثانوية للبنات. ومع مرور الوقت، نالت المؤسسة اعترافًا رسميًا من حكومة البنجاب وحصلت على منحة مالية. ثم توسّعت بإنشاء فروع لها، وظلّت تواصل عملها بوصفها مدرسة ثانوية حتى مرحلة متأخرة من حياة عزيزالدين.

حياةٌ من الخدمة والتفاني

على الرغم من دورها القيادي، يتذكر عزيزالدين الوزيرة صاحبة بوصفها شخصيةً زاهدةً ومنضبطة.

كانت سيدة متواضعة للغاية. ورغم أنها كانت تدير مدرسة ثانوية وفرعين، إلا أن ذلك لم يكن واضحاً عليها. كانت حازمة جداً، لكنها في الوقت نفسه لطيفة جداً.

امتدّ عطاؤها إلى ما هو أبعد من نطاق التعليم الرسمي؛ إذ كانت تُعلّم فتيات الحي قراءة القرآن وظلّت على صلة وثيقة بالمجتمع الإسماعيلي ومشاركة فاعلة في شؤونه. وتُظهر الصور العائلية التي احتفظ بها عزيزالدين ظهورها إلى جانب الإمام السلطان محمد شاه، الآغا خان الثالث، والإمام كريم الحسيني، الآغا خان الرابع، وهو ما يعكس تداخل رسالتها التعليمية مع حياتها الروحية. كما يروي عزيزالدين تقليدًا عائليًا مفاده أن الإمام السلطان محمد شاه قد أثنى شخصيًا على إسهامات الوزيرة صاحبة خلال زيارة إلى كابورثالا، وخصّها بعبارات تقدير مميّزة. وفي عام 1954، سافرت إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج ، ولذلك عُرفت في المجتمع بلقب "الحاجّة".

إرثٌ من العطاء وخدمة الآخرين

شكّلت هذه البيئة طفولةَ عزيزالدين بدورها. إذ يتذكر عودته من المدرسة إلى منزل كانت القراءة والدراسة تمتدان فيه حتى ساعات المساء، ولا يزال مشهدٌ واحد من طفولته حاضراً في ذاكرته بوضوح تام: حين كان يغفو تدريجياً، خاطبته بنبرة هادئة لكنها حازمة.

لم يتوقّف التعلّم عند انتهاء الدوام المدرسي. فعندما كنت أعود من المدرسة، كانت القراءة والدراسة تستمران إلى المساء. وحتى عندما كنت آخذ في النعاس، كانت تذكّرني، بلطفٍ ولكن بحزم، بأنّ على الإنسان، مهما بلغ تعليمه، أن يحاول أيضًا مساعدة الآخرين.

بقيت تلك الكلمات عالقة في ذهنه. وبعد سنوات، وبعد أن استقرت أوضاعه، سعى عزيزالدين إلى الوفاء بوعدها من خلال دعم الطلاب في باكستان عبر المنح الدراسية والمساعدات التعليمية. وقد توفيت الوزيرة صاحبة الحاجّة غلام فاطمة في 26 آب 1967. ويصف عزيزالدين خسارتها بأنها فاجعة. ودُفنت في ساحة المدرسة بجوار صالحة بيبي، حيث يزورها الناس لتقديم واجب العزاء وقراءة الفاتحة على روحيهما.

كان الأمر مدمِّراً بالنسبة لي … كأنني صرتُ يتيماً للمرة الثانية … لا أستطيع وصفَه. لكن على أي حال، لا بد للحياة أن تستمر.

الخلاصة: القيادة من خلال المثابرة

لا يزال إرث الوزيرة صاحبة غلام فاطمة خالداً ليس فقط في الذاكرة، بل أيضاً من خلال استمرار مشاركة عائلتها في المؤسسة التي ساهمت في بنائها. فقد حافظ أفراد عائلتها على ارتباطهم بالمدرسة على مر السنين، مساهمين في صيانتها وتطويرها، بما في ذلك إنشاء مبنى عائلي لا يزال يدعم أنشطتها. وتعكس هذه المشاركة المستمرة فهماً للخدمة باعتبارها عملاً متوارثاً عبر الأجيال، لا يقتصر على جيل واحد.

كانت دائمًا تقول إن على الإنسان، مهما بلغ تعليمه، أن يحاول أيضاً مساعدة الآخرين.

بينما يدعونا شهر تاريخ المرأة العالمي إلى التأمل في قيادة المرأة بجميع أشكالها، تُوسّع قصة الوزيرة صاحبة فهمَنا لما يمكن أن تبدو عليه القيادة. فلم يُصَغ أثرها من خلال الظهور أو السلطة، بل من خلال المثابرة: ترك وظيفة مستقرة، والتدريس على بُسُط في فناءٍ مفتوح، وتنظيم النساء بشكل جماعي، وبناء مؤسسة لا تزال تخدم الأجيال. ومن خلال مشروع التاريخ الشفهي لمعهد الدراسات الإسماعيلية، تُحفَظ مثل هذه الحيوات ليس بوصفها ذكرياتٍ فحسب، بل بوصفها أسساً لتاريخ المجتمع.

تم إعداد هذه المقالة بالاشتراك بين رضوان كريم، منسق التاريخ الشفهي، ومحمد علي، خريج برنامج GPISH (دفعة 2024) ومتدرب في ISCU، حيث يساعد في مشروع التاريخ الشفهي ومبادرات العلوم الإنسانية الرقمية.